محمد جواد مغنية
182
في ظلال نهج البلاغة
الجواب : 1 - نحن لا ندعي ان التقدم في الصناعة والزراعة وغيرهما من مظاهر الحضارة وقف على المتدينين ، ولا ننسب هذه الدعوى إلى انسان ، والغرض الأول هو الإشارة إلى أن محمدا ( ص ) قد أخرج الناس من الظلمات إلى النور ، وتقدم بالحياة مئات السنين . ولا يختلف في ذلك اثنان بصرف النظر عن الدين . . على أن التقدم في أي ميدان من ميادين العلم وغيره ما هو بشيء إذا لم يكن لصالح الانسان وأمنه ، والقضاء على ضعفه وفقره . ولا نعرف عصرا من العصور تجرّد فيه الأقوياء عن انسانيتهم ، وأصبحوا أشد خطرا على البشرية من الأفاعي والوحوش كالعصر الذي نعيش فيه ، والسبب الأول هو تقدم الآلة ، وتطور الأسلحة ، وتعاظمها في شأنها وأثرها . 2 - إن الاسلام يدعو إلى كل خير ويباركه حتى ولو كان فاعله من الملحدين ، وينهى عن كل شر ويبرأ منه ومن صاحبه وان آمن باللَّه ورسله وكتبه . قال الإمام ( ع ) : « ان اللَّه يحب العبد - المؤمن - ويبغض عمله ، ويحب العمل - الصالح من الكافر - ويبغض بدنه » أي كفره ، وعليه فكل خطوة يخطوها الانسان إلى حياة أفضل فهي من الدين في الصميم ، مسلما كان أم غير مسلم . ومن يقف ضد العلم النافع أو أي عمل يصلح الحياة بجهة من الجهات فهو عدو للَّه ودين اللَّه ، أراد ذلك أم لم يرد . كيف والاصلاح هو الغاية الأولى من رسالة الرسل والأنبياء . 3 - كل الناس يقدسون المعاني الانسانية النبيلة ، ولكن الفرق بعيد بين أن يكون هذا التقديس دينا وعقيدة ينبع من العقل والقلب ، ويختلط باللحم والدم مع الشعور بأن هذه المعاني كما هي نبيلة في ذاتها فإن الإنسان مسؤول عنها أمام قوة قادرة عادلة تراقب وتحاسب ، وتثيب وتعاقب ، الفرق بعيد جدا بين هذا وبين أن يكون تقديس المعاني الانسانية لمجرد انها نبيلة ، وان الانسان يفعلها لمحض انه طيب ومهذب وحسن المعاملة ، دون أن يكون مسؤولا عن تركها وإهمالها أمام قوة تعلم الغيب وتحاسب من أهمل وتجاهل . . وأية جدوى من الخير في ذاته ومن الشر في ذاته إذا لم يشعر الانسان انه مسؤول عن كل ذرة منهما أمام من لا يغادر كبيرة ولا صغيرة إلا أحصاها ، وسأل عنها ، وكافأ من أحسن بالحسنى ، ومن